الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

17

نفحات القرآن

الإنسان في أقصى نقاط المعمورة - تفرض على الإنسان تلك القيود والأغلال والأثقال المضنية التي تعود إلى العصر الجاهلي وبعناوين ومصطلحات جديدة ، فالقوى العظمى تسعى دائماً وبصورة علنية للسيطرة على الشعوب واسترقاقها وتسخيرها مستخدمة كافّة الوسائل العسكرية أو الإعلامية أو بنشر ألوان ونهب ثرواتها الفساد الأخلاقي ، وقد بلغ ظهور هذا الأمر اليوم حدّاً يستحيل إنكاره بل لا يكاد يخلو منه التاريخ المعاصر في كافّة أرجاء المعمورة ، وهي تسعى للقضاء على شعارات الحرية الجميلة . أجل ، فإنّ أحد الأهداف الرئيسية من بعثة الأنبياء عليهم السلام هو إنقاذ الإنسان وتخليصه من أسر وقيود العبودية المقيتة . 5 - النجاة من الظلمات وذكر في الآية السادسة الهدف وراء البعثة ونزول القرآن المجيد وهو إخراج الناس من الظلمات إلى النور ، يقول تعالى : « كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ » . و « الظلمات » نظراً لورودها بصيغة الجمع فانّها تمثل مفهوماً واسعاً وشاملًا لكلّ أنواع الظلمات : ظلمة الشرك والظلم والجهل وهوى النفس ، وأنواع الحجب التي تسدل على قلب الإنسان وكذلك الظلمات التي تخيّم على المجتمعات . فالهدف من نزول الكتب السماوية هو إنقاذ الإنسان من كلّ هذه الظلمات والأخذ بيده نحو نور التوحيد والتقوى والعدل والإنصاف والاخوّة و . . . والملفت للنظر هنا مجيء « الظلمات » بصيغة الجمع و « النور » بصيغة المفرد ، وذلك لأنّ طريق التوحيد والحقّ واحد لا يوجد طريق سواه ، وهو ذلك الطريق المستقيم الذي يربط بين المبدأ والمعاد فهو يختلف عن طرق الضلال المتشعّبة ، فنور الإيمان والتقوى هو أساس الوحدة والإتّحاد ، أمّا ظلمات الشرك واتّباع الهوى والطغيان فهي السبب الأساس في الاختلاف والحيرة والضياع .